من إسلامية المعرفة إلى تجديد التربية: نحو بناء الإنسان
16 Aug

من إسلامية المعرفة إلى تجديد التربية: نحو بناء الإنسان

ظهر مشروع إسلامية المعرفة بوصفه محاولة جادة لإعادة بناء العلاقة بين الوحي والعقل، وبين التراث الإسلامي والعلوم الحديثة، انطلاقًا من رؤية إسلامية للإنسان والكون والحياة. وقد طرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن للمسلمين أن ينتجوا معرفة لا تكون مجرد تقليد للنموذج الغربي، ولا قطيعة مع التراث؟


لكن التحدي لم يكن في طرح السؤال فقط، بل في الانتقال من الرؤية الفكرية إلى إنتاج نماذج علمية وتطبيقية جديدة. ولذلك بقي جزء من المشروع في المجال النظري والنقدي، بينما ظل الانتقال إلى التطبيق محدودًا مقارنة بطموحه الكبير.


وهنا يمكن أن يأتي مشروع «التربية أولًا» بوصفه امتدادًا مختلفًا لهذا المسار؛ ليس بتكرار مفهوم «إسلامية المعرفة»، وإنما بمحاولة نقل السؤال من مجال المعرفة إلى مجال بناء الإنسان.


فإذا كانت إسلامية المعرفة تسأل:

كيف نبني المعرفة انطلاقًا من رؤية إسلامية للإنسان؟


فإن «التربية أولًا» تسأل:

كيف نحول هذه الرؤية إلى تربية تصنع إنسانًا متوازنًا وقادرًا على الحياة؟


وهنا يصبح الانتقال واضحًا:


الرؤية الإسلامية إلى فهم الإنسان إلى تحديد حاجاته ومراحل نموه إلى بناء أهداف تربوية إلى تصميم ممارسات وبرامج إلى قياس النتائج.


وبهذا لا تبقى الرؤية الإسلامية مجرد أفكار ومبادئ عامة، بل تتحول إلى نموذج تربوي يمكن تطبيقه وتطويره واختباره.


فالإنسان في «التربية أولًا» ليس عقلًا فقط، ولا كائنًا دينيًا بمعزل عن واقعه، وإنما هو إنسان متعدد الأبعاد: جسدي، وعقلي، ووجداني، واجتماعي، وأخلاقي، وروحي، وجمالي، وشخصي. ومن هنا تأتي أهمية بناء التربية على فهم متكامل للإنسان، والاستفادة في الوقت نفسه من الوحي والتراث ومنجزات العلوم الإنسانية الحديثة.


وبذلك يمكن النظر إلى «التربية أولًا» باعتبارها محاولة للانتقال من تجديد الفكر إلى تجديد الممارسة؛ ومن الحديث عن الإنسان في الكتب إلى العمل على تشكيل شخصيته في الأسرة والمدرسة والمجتمع.


إن القضية اليوم ليست أن نعيد إنتاج خطاب «إسلامية المعرفة» بصيغته القديمة، وإنما أن نسأل: ماذا يمكن أن ننتج من هذا التراث الفكري اليوم؟


وربما تكون الإجابة: أن ننتقل من إسلامية المعرفة إلى تجديد التربية، ومن تجديد التربية إلى بناء الإنسان.


وهنا تكمن قيمة «التربية أولًا»: أن تجعل التجديد الفكري يبدأ من المكان الذي يتشكل فيه الإنسان فعلًا؛ من التربية.

الرجوع إلى الأعلى